السبت، 12 أكتوبر 2019

عنعيدمن كتاب : قطب السرور في اوصاف الخمورهُ

يُدق بابي، فخرج غلامي ثم رجع، فقال:
على الباب فتى ظاهر المروءة جميل الوجه ملزلز الجسد يستأذن عليك، فأذنتُ له، فدخل شابٌ ما رأيت أجمل منه وجهاً، وألطف ثوباً, وأريع جسداً، يظهر عليه أثر السقم، فقال لي: إني أُحاول لقاءَك منذ مدة، ولي إليك حاجة، قلت: ما هي؟ فأخرج لي ثلاثمائة دينار فوضعها بين يديَّ، وقال: أُحبُّ أن تقبلها مني، وتضع لي لحناً في بيتين قلتهما، قلت: نعم وكرامة، هاتِ البيتين، فأنشدني:
" والله ياطرفي الجاني على كبدي لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
او لأبوحن حتى يحجبوا سكني فلا تراه ولو ادرجت في الكفن "


‏‎فصنعت فيهما لحنا ً شجيا ً يشبه النوح، ثم غنيته إياه فأُغمي عليه حتى ظننت أنه قد مات، ثم أفاق وكأنه ُأنشر من قبرٍ، ثم قال: َأعِد يخرب بيتك أعِد، فنشدته باالله في نفسه، وقلت: أخشى والله أن تموت وأبلش بك، فأبى وقال: ليت ذاك كان، وهيهات، نفسي المشئومة أشقى من أن أموت فأستريح، وما زال يخضع ويتضرع ويشحذ ويبكي حتى رحمته فقلت اوكيه، فأعدت الصوت، فصعق صعقةً اشد من الأُولى, وبقي ملتقي لا يتنفس إلا نفساً خفياً
فما زلت أنضح ماءَ الورد على وجهه و ُّأشمه أصناف الطيب حتى فتح عينيه و َأفاق وبقي ساعة ً ملقى ثم تحامل فجلس، فحمدت الله تعالى على سلامته ووضعت دنانيره بين يديه وقلت: خذ فلوسك وانصرف عني، قد قضيت حاجتك، وبلغت وطراً مما أردته ولست ُأحب أن أشرك في دمك فقال لي: يا هذا لا حاجة لي في الدنانير ولك عندي مثلها وأعد علي هذا الصوت مرة ُأخرى فقط، وأنا أنصرف عنك وخلاك، فقلت: لا واالله ولا أضعافها إلا َّ على ثلاث شرائط، فقال: ويش هي، فقلت: أما أولهن فتقيم عندي، وتأكل من الطعام ما تقوي به نفسك، والثانية أن تشرب أقداحاً تمسك قلبك وتحفظ نفسك ويثبت في حافظتك ما تسمعه، والثالثة أن تحدثني بحديثك فلعل ذلك ينفعك،
/
قال: أوكيه، فدعوت بالطعام فأصاب منه إصابة مُعذر، ثم دعوت بالشراب فشرب أقداحاً وأنا أُغنيه من عرض الأغاني ما يحضرني وهو يشرب ويبكي، ثم قال: الشرط أعزك الله، فلما رأيته قد خف ما به، ورأيت النبيذ قد شدَّ قلبه، كررت عليه مراراً ثم قلت: حدثني، قال: أوكيه، أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزهاً وقد سال العقيق في فتيةٍ من أقراني وأخواني فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له, فجلسن وبصرت بفتاة منهن كأنها غُصنٌ قد طلله الندى تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما، لإاطلنا وأطلن حتى تقَرَّض النهار " ثم تفرقنا وقد أبقت بقلبي جرحاً عميقاً,
فعدت إلى المكان، ابحث عن اثرها وأطمع في لقائها، فإذا هو خالٍ ليس فيه أحد، ولا أرى لها ولا لصواحبها أثراً، ثم جعلت أتتبعها في أسواق المدينة وطرقاتها فكأن الأرض بلعتها،
فمرضتُ أسفاً عليها، وصبابة بها وضنيتُ حتى يئس أهلي مني فخلت بي خالتي وسألت عن سر حالي وضمنت لي كتمانها، والسعي فيما أحبه منها،
فأخبرتها الخبر فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت بعد وهي سنة خصبٍ وليس يبعد علينا المطر، فتخرج حينئذ وأخرج معك لذاك المكان فإذا جاء النسوة ورأيت من تريد فعرِّفني عليها حتى أتبعها فلا أفارقها أو أقف على موضعها، وأصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها،
فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك، ووثقت به وسكنت إليه، وأصبت شيئاً من الطعام، وتراجعت نفسي، ولم نلبث الا أن جاء المطر وسال العقيق "الوادي" فخرج الناس ينظرون إليه وخرجت فيهم مع إخواني أولئك وخالتي فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة (إلا) كفرسي رهان، وأومأت إلى خالتي إيماءً، عرفتها بها فجلسن قريباً منا، فقلتُ لخالتي: قولي لها، يقول لك هذا، والله لقد أحسن الذي يقول:
رمتني بسهمٍ أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا
فمضت فقالت ذاك لها،
فردت: ارجعي فقولي له: لقد أحسن القائل وأحسن من أجابه حيث يقول:
بنا مثل ما تشكو، فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريبا !
فأمسكتُ عن الجواب خوفاً من أن يظهر ما يفضحنا جميعاً، وعرفت ما أرادت، فقمت منصرفاً، وقامت لقيامي، وتبعتها خالتي، حتى عرفت منزلها، وسارت إلي فأخذت بيدي، وسرنا إليها وما زلنا نتلطف حتى اجتمعنا معها على سبيل المجالسة والمؤانسة، واتصل ذلك حتى شاع حديثنا وظهر ما بيننا فحجبها أبوها عني وتشدد عليَّ،
فلم أزل مجتهداً في لقائها، فلم أقدر عليه، فشكوت حالي إلى أبي، وسألته أن يخطبها إلي، فجمع مشيخة أهلنا، مضى إلى أبيها راغباً إليه في المصاهرة، فقال ابيها: لو كان بدأ بذلك قبل أن يفضحها لأسعفته بما التمس، لكنه قد شهرها وفضحنا الله يفضحه فما كنت لأثبت قولَ الناس فيها بتزويجه إياها، 
فانصرفو على يأس منها ومني، 
/
 فسألته عن منزله فعرفني فزرته وكثرت عنده، وكانت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على رسمي فغنيتُ جعفراً في شعر الفتى أولَ ما غنيت، فطرب طرباً شديداً، وشرب عليه أقداحاً، وقال: ويلك ما هذا الصوت، ومن أين هو لك؟ فقلت: صنعته منذ أيام، وحديثه أظرف منه، فقال: ما هو؛ فحدثته بحديث الفتى، فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغه ما يحب، فمضيت إليه، وأحضرته، فاستعادة جعفر الحديث، فأعاده عليه، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها، فطابت نفسه، وأقام معنا، فلما أصبح جعفر، ركب إلى الرشيد فحدثه بالحديث، فاستطرفه، وأمر بإحضارنا جميعاً فحضرنا واستعاد الصوت فأعدته وشرب عليه، وسأل الفتى عن حديثه فأعاده عليه فأمر بالكتاب إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وأهله وولده مبجلاً مكرماً إلى حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة سنية فلم يمض إلا مدة يسيرة حتى حضروا، فأمر الرشيد بإيصال الرجل إليه فأُحضر وأمره بتزويج الجارية من الفتى وأعطاه ألف دينار، فزوج الفتى الجارية بحضرته وانصرنا، وأمر جعفر لكلِّ واحد منا بألف دينار، نُقلت إليه أهله ولم يزل بعد ذلك من ندماء جعفر حتى حدث عليه ما حدث فعاد بأهله إلى المدينة.